الحلبي
436
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
القوم ، فقمت مستبشرا بدعاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كأني احتملت احتمالا ، وذهب عني ما كنت أجد من الخوف والبرد ، وعهد صلى اللّه عليه وسلم إليّ أن لا أحدث حدثا . وفي رواية « أما سمعت صوتي ؟ قلت نعم . قال : فما منعك أن تجيبني ؟ قلت البرد . قال : لا برد عليك حتى ترجع » كما يدل على ذلك الرواية الآتية « فقال له : إن في القوم خبرا فائتني بخبر القوم » قال : وفي رواية « إنه صلى اللّه عليه وسلم لما كرر قوله : ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة ؟ ولم يجبه أحد . قال أبو بكر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه حذيفة . قال حذيفة : فمر عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما عليّ جنة من العدو والبرد إلا مرطا لامرأتي ما يجاوز ركبتيّ ، وأنا جاث على ركبتي . فقال : من هذا ؟ قلت : حذيفة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : حذيفة ، قال حذيفة رضي اللّه عنه : فتقاصرت بالأرض . قلت : بلى يا رسول اللّه . قال : قم ، فقمت . فقال : إنه كائن في القوم خبر فائتني بخبر القوم . فقلت : والذي بعثك بالحق ما قمت إلا حياء منك من البرد . قال : لا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إليّ . فقلت : واللّه ما بي أن أقتل ، ولكن أخشى أن أوسر . فقال : إنك لن تؤسر . اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته ، فمضيت كأني أمشي في حمام » مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار وهو عربي « قال حذيفة : فلما وليت دعاني ، فقال لي : لا تحدثن شيئا » وفي رواية ، لا ترم بسهم ولا حجر ، ولا تضربن بسيف حتى تأتيني . فجئت إليهم ودخلت في غمارهم ، فسمعت أبا سفيان يقول : يا معشر قريش ليتعرف كل امرئ منكم جليسه ، واحذروا الجواسيس والعيون ، فأخذت بيد جليسي على يميني وقلت من أنت ؟ فقال : معاوية بن أبي سفيان ، وقبضت يد من على يساري . وقلت : من أنت ، قال عمرو بن العاص ، فعلت ذلك خشية أن يفطن بي . فقال أبو سفيان : يا معشر قريش ، واللّه إنكم لستم بدار مقام . ولقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من هذه الريح ما ترون ، فارتحلوا فإني مرتحل ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم ، أي فإنه لما ركبه كان معقولا ، فلما ضربه وثب على ثلاثة قوائم ، ثم حل عقاله . فقال له عكرمة بن أبي جهل : إنك رأس القوم وقائدهم تذهب وتترك الناس ، فاستحيى أبو سفيان وأناخ جمله وأخذ بزمامه وهو يقوده . وقال ارحلوا ، فجعل الناس يرحلون وهو قائم . ثم قال لعمرو بن العاص : يا أبا عبد اللّه نقيم في جريدة من الخيل بإزاء محمد وأصحابه ، فإنا لا نأمن أن نطلب ، فقال عمرو : أنا أقيم ، وقال لخالد بن الوليد : ما ترى أبا سليمان ؟ فقال : أنا أيضا أقيم ، فأقام عمرو وخالد في مائتي فارس ، وسار جميع العسكر . قال حذيفة رضي اللّه عنه : ولولا عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليّ حين بعثني أن لا أحدث شيئا لقتلته ؟ يعني أبا سفيان بسهم ، وسمعت غطفان بما